opera.com

اقرأ من المصدر

قصة قصيرة بعنوان الأشباح

Mo.kamal 06/25/2020

عرض الصورة على التطبيق يوفر إلى 80% من استخدام الإنترنت إليكم القصة.. الأشباح:


هاتفني وائل عند نهاية الأصيل وأخبرني أن أحمد وسعيد موجودان عنده ويرغبان في مجيئي. غادرت منزلي، سرت على قدماي فمنزل صديقي ليس ببعيد، إنه في آخر قريتنا الصغيرة المحاطة بالأشجار. 

   قريتنا نائية، وبناياتها قديمة ومتهالكة، وبها منزل مهترئ وخالٍ، قد هجره سكانه منذ زمن ولم يُفتح منذ ذلك الحين. وله نوافذ مثقبة يُرى من خلالها ظلام حالك، كما أن خط المصابيح الكهربائية ينقطع عنده، وأمامه شجيرات صغيرة، وإلى جانبه أحراش كثيفة ونباتات، ومن حوله وعلى طول الطريق المؤدي لمنزل وائل أشجار سامقة ذات أفرع متشابكة.

   وعند نهاية المغيب مررت من أمام ذلك المنزل المهجور. وصلت، وبعدما جلست بلحظات بدأ سعيد في استكمال حديث كان قد قطعه مجيئي، فقال:

- ودلفت لمنزلنا وكان معتم، فشعرت على الفور بخوف لا أعرف كنهه، ثم هرعت باتجاه زر الكهرباء، وهاجس يهمس لي أن انظر خلفك. نظرت بلفتة سريعة فلم أجد أحد، فخاطبت نفسي: أوا كنت تنتظر أن ترى أحد؟ فلا يوجد غيرك في المنزل. ثم بدأت أرى أشياء غريبة مثل الأشباح، فكنت أرى جميع الأشياء التي تقع عليها عيني بصور مغايرة عن حقيقتها. وفي تلك اللحظات لم أستطع السيطرة على أفكاري، ولم أستطع تمييز الأشياء بنفس الدقة لو كنت في موقف غير ذلك. ثم طُرق باب المنزل.

- من الذي طرقه؟. قال وائل مقاطعًا سعيد وعيناه تشعان حماس.

وأكمل سعيد بعد أن استعاد تركيزه الذي أفقدته إياه مقاطعة وائل:

- من الطارق؟. هكذا صحت من أعماقي وكتمتها في نفسي، بينما همست بصوت خافت، همست لنفسي أيضًا: مَن؟ ثم...

- ثم ماذا؟ قال وائل ثانية مقاطعًا سعيد.

وأكمل سعيد:

- ثم كان الطارق هو أخي الأصغر.

تنهد وائل بضيق، وتغضنت ملامحه. بيدَ أنه كان ينتظر قدوم شيء آخر. 

وعم الصمت للحظات إلى أن قال سعيد:

- لم أفهم إلى الآن ما سر ترددي في فتح الباب برغم يقيني أن القادم ليس إلّا أحد أفراد عائلتي. وصمت سعيد، ولاحظ علامات الدهشة في عيوننا، فأكمل:

- نعم نعم.. كنت على يقين أنه أحد أفراد العائلة، فإنه موعد عودتهم. وصمت مرة أخرى، ثم تابع:

- ولم أعرف أيضًا لماذا شعرت بالخوف.

وعندئذ قال أحمد:

- لا أجد فيما قلته شيء يخيف، أنت من أوهمت نفسك بأشياء مخيفة ليست لها وجود ثم خوفت منها. كان هذا رأي أحمد، أما وائل فقال:

- انتظر يا أحمد، إنني معك أن هذه أوهام فعلاً.. وإنما الأشياء المخيفة التي تقصدها لها وجود. ما رأيك أنت يا أمير؟.

    عندما سألني وائل عن رأيي كنت غائص في بركة أفكار، لقد خطر لي أمرًا لم يكن يومًا في حسباني، وهو لا بد للمنزل المهجور أن يكون وكر للأشياء التي تخيف التي قصدها أصدقائي، وإنني لأعرف ما هي، إنها الأشباح دون شك. وهذا المنزل في طريق عودتي، إنني حتمًا سوف أمر من أمامه، فليس هناك طريق آخر، كما أن عودتي ستكون في الظلام، والأشباح تتحرك وتلهو بالبشر في الظلام، وخاصة حين يعتريهم الخوف. لكن كيف لم يخطر لي هذا الأمر من قبل، وأنا لطالما مررت من أمام المنزل المهجور؟!

   قام أحمد بتغيير مجرى الحديث، فيبدو أنه لم يقتنع بوجود أشباح على الأرض، تحدثنا في أمور كثيرة، إنما ظلت فكرة الأشباح عالقة في ذهني وصورة المنزل المهجور أمام عيني.

   وانتهينا من اللقاء وغادرا أحمد وسعيد المكان بينما ظللت أنا في منزل وائل. عادة لم أعتد الإطالة مثل ذلك اليوم ولم أعرف سببًا دفعني لذلك، إلا إنني عرفت حين قال وائل:

- ألم تذهب لدارك يا أمير؟! حسنًا حسنًا، فلتظل معي، لأنني خائف.

- خائف؟ خائف مماذا يا وائل؟

- من الأشباح. قالها وائل وهو يضحك.

     وأحسست بأن وائل يعلم ما يدور بداخلي، فلم أرد أن أظهر أمامه بأني جبان.

- إنني ذاهب. صحت فجأة.

ضحك وائل وقال:

- لم أقل لك ذلك لتذهب.

   أعلم أنه صادق، وأنما لا أريد أن أكتشف آفة جديدة في نفسي، ألا وهي الجبن.

- لا.. إنني ذاهب.

   وأخذت مسلكي نحو داري، لا أفكر إلا في المنزل المهجور والأشباح، لاحظت تباطؤ خطواتي وكأن قدماي تنبهاني بخطر قادم، وبرغم انقباض صدري لم أتوقف عن المسير وأتراجع، ليست شجاعة؛ إنما لعلمي أن لا طريق آخر يؤدي لمنزلي.

   وفجأة انقطع خط الأعمدة، إنه بيت الأشباح.. أقصد الببت المهجور.

   في البداية تحاشيت النظر إليه، إلا أني ورغمًا عن إرادتي نظرت إليه بتأنٍ، تفحصته بدقة، من بوابته الحديدية الصدئة إلى سطحه المتكسرة حوافة، ثم نظرت للنوافذ، واستقرت عيناي على نافذة بعينها، ولحظتئذ لمحت كأن شخصًا بالغرفة. 

   هذا الشخص وراء الستائر كان يظهر ويختفي مع ضوء القمر، فكلما ارتمى عليه الضوء ظهر وحدق في وجهي بعينيه الجاحظتين، ولم أميزه جيدًا كي أعرف أهو إنساء أم شيء آخر.

   دب الرعب في أوصالي فتحركت من مكاني، رأيت الأحراش التي بجانب المنزل تتحرك، خمنت أن هناك شيء يتهيأ للظهور. أسرعت من خطاي وعيناي تراقب الأحراش وهي تهتز. تموج النباتات بعضها في بعض وأنا أترقب، أنتظر الشيء الذي سيخرج وينقض علي.

  وفجأة ظهر الشيء.

  وثب شيء أسود ففررت مزعورًا، ولحقني ذاك الشيء، زدت من سرعتي كما فعل هو. وتعثرت قدماي وسقطت على الأرض وأُصبت ببعض الخدوش والجروح ولكني لم أشعر بألم، ونهضت مرتجفاً وبدأت أعدو من جديد.

   تجاوزت المنطقة المظلمة، فنظرت خلفي وفزعت عندما أدركت أنني أهرب من كلب صغير أسود اللون، وبرغم خوفي من الكلاب وقفت فجأة وهرولت نحوه وأنا أصرخ: أنت من كنت ستتسبب في إيقاف قلبي! ابتعد عني.

  وهرب الكلب مسرعًا كأنه رأى شبح.

  وسرت بخطى حثيثة ولا أزال أنظر خلفي.

  وصلت لمنزلي، كانت أسرتي نائمة، فتحت الباب ودلفت للداخل، أغلقت الباب وأسندت ظهري إليه ورحت ألتقط أنفاسي. كان الضوء منطفيء، وقع بصري على ما يشبه رأس إنسان على مجسم برج إيفل الذي هو في نهاية الدهليز، أخرجت هاتفي وأدخلت رمز فتح القفل عدة مرات وكل مرة أخطيء فيه، ما الذي يحدث؟ انتابني هول ورعب، أعدت تركيزي وتمهلت في إدخال الحروف، وبعد عدة محاولات فتح القفل أخيرًا. وأضأت "الفلاش" الذي كان أضعف من أن يصل لنهاية الدهليز، فقفزت على الزر الذي في الجدار وأشعلت الضوء، ونظرت على الفور نحو مجسم برج إيفل فكان الذي فوقه وأخافني إناء، ربما وضعته والدتي، فهي معتادة على نسيان الأغراض في غير أماكنها.

   خف فزعي وبدأت في السير، وقبل أن أدخل غرفتي أشعلت ضوء هاتفي وفتحت الباب على مهل وألقيت نظرة خاطفة بداخلها، وما إن تأكدت أن لا شيء غريب بها تقدمت. وقبل أن أغلق الباب خلفي أشعلت النور وتركته برغم اعتيادي على إطفاءه عند النوم، فاليوم ولأسباب أمنية لا أرغب في الظلام. ارتبكت أمعائي وشعرت بحاجة إلى دخول دورة المياة، لكنني عدلت عن ذلك من الخوف، ولا أعلم من أي شيء أخاف.

   وحينما هدأت قليلًا شعرت بألم جروحي من أثر وقوعي وأنا أهرب من الكلب، ثم غرقت في النوم. 

   وفي الصباح، وبعد الإفطار، كان أول قرار أخذته هو أن أذهب لرؤية المنزل المهجور، فلربما يكون خوفي قد صور لي أشياء لم تكن موجودة، ولأتأكد من هوية الشيء خلف الستائر، وكيف لم أره من قبل؟ أم أني لم أكن أهتم بهذا المنزل وما بداخله؟ ربما.

   ها هو البيت أمامي، وها هي الأحراش التي كانت بالأمس بالنسبة لي أخطر من حقل ألغام، إنها تبدو مع ارتماء أشعة الشمس عليها جميلة، خضراء، زاهية ومتمايلة مع نسمات الهواء. نظرت للأشجار السامقة ذات الأفرع المتشابكة، فرأيتها مثل خط المصابيح على الطريق، تزين الطريق وتضفي على اللوحة جمال فوق جمال. تذكرت النوافذ، اقتربت أكثر وحملقت في ما وراء الستائر، وجدت لوحًا زجاجيًا به نقطتين سوداويتين، كان هذا اللوح يعكس ضوء القمر الخافت، فكان يسطع من وراء الستائر مظهرًا النقطتين كعينين جاحظتين، ابتسمت وأقفلت عائدًا للمنزل.

   اكتشفت أن الأشباح التي أماتتني رعبًا بالأمس ليست إلا هواجس وأوهام تخيلتها من فرط خوفي بعد استماعي لقصص الرعب من أصدقائي والحديث عن الأشباح.

   وأثناء عودتي سمعت فتاة تسب والدتها المسنة بأقبح الألفاظ، فتمتمت ويداي خلف ظهري: تلك هي الشبح حقًا ليس الإناء الموضوع على مجسم برج إيفل. وسمعت كلب يصرخ، كلب صغير أسود، هو نفسه الذي أخافني بالأمس، كان شاب يعذبه، رابطًا عنقه بحبل غليظ ويقوم بجرجرته خلفه، والكلب يعوي ويصرخ من الاختناق، وعندما رآني زاد من حدة صراخة كأنه يستنجد بي، دافعت عنه وصرفت ذاك الشاب القاسي، ذاك الشاب كان شبحًا مخيفًا مما رأيته منه من قسوة تجاه كلب صغير. وشاهدت زوج جبار يضرب زوجته بهمجية ووحشية وهي تستغيث بي وزوجها يكز على أسنانه ويحذرني من الاقتراب. ورأيت رجلاً ضخمًا يمتطي حمار ضعيف ورغم ذلك يضربه بسوطه بلا رحمة. ورأيت سيارة وصبي صغير يمسح زجاجها ليعطيه صاحبها ما فيه النصيب. أدهشني الشبح صاحب السيارة، فبعد أن قام الصبي بتنظيف سيارته، قال له بغلظة: كفى يا ولد واذهب.. لن أعطيك شيء.. كفاكم تسوّل.. ملئتم الدنيا!

   لقد فطرت قلبي قسمات وجه الصبي، ولقد عبّر عن استياءه بجلوسه على حجر على جانب الطريق. صمت وصمد طويلاً، ثم فرت من عينيه الدموع.

   تغيرت المفاهيم بداخلي وبدأ وعيي بالأشياء من حولي يكبر، إنني أرى وأسمع كل يوم مآسي ومصائب وظلم يحدث ولا أحرك ساكن، إنني لأنا الشبح وهؤلاء القساة وليس الظلام أو أشجار وأحراش ونوافذ مثقبة من وراؤها ظلام.

   أخذت في التأمل أكثر، ورأيت عجائب من الناس من حولي قد اعتدتها منهم بشكل يومي، وكنت لا أنتبه لها من فرط اعتيادي. هؤلاء هم من يستحقون الهروب منهم وليس الظلام.

    دخلت منزلي صامتًا أفكر، ثم خطرت لي فكرة، فأغلقت ضوء الدهليز ونظرت لرأس الإنسان فوق مجسم برج إيفل، فرأيته إناء بكامل صورته. ثم أغلقت باب غرفتي ونوافذها وأطفأت الضوء، ثم مددّت ظهري على السرير منتظراً ظهور شبح، وأخذت أحملق في كل شيء، ولم أرَ سوى الشاب معذب الكلب، والفتاة التي تهين والدتها، والزوج الذي يضرب زوجته، والرجل الضخم الذي يكاد يقتل الحمار، وصاحب السيارة قاسي القلب.


"تمت"

مصدر: opera.com
الآراء في هذا المقال هي آراء الكاتب الخاصة، ولا تعكس آراء أوبرا نيوز. اقرأ المزيد >>

بيانات أقل، المزيد من الأخبار - أقل من 1 ميجابايت