opera.com

اقرأ من المصدر

الحكاية والرواية ... العابد والشيطان

علاءرأفت 2d

   تحكي بعض  الراويات عن رجل عابد يُدعى " برصيصا " ، من رجال بني إسرائيل في الزمن القديم ، تقول عنه الراويات : إنه عَبد الله - سبحانه وتعالى - عبادة لا يعبدها أحد مثله في زمنه ، واستمرت سبعين عامًا ، من الصيام والقيام والصلاة ولا يفارق صومعته أبدًا .

    تجمعت الشياطين عليه فلم تستطع إغواءهُ ، وجاءت في بعض الآثار " أن إبليس بنفسه كان يحاول إغراءه فلم يستطع ، وكان يلوم أتباعه وجنوده ، أنهم كيف لا يستطيعون إغواء رجل واحد ، فالكل يتحدث عن برصيصا العابد ، الرجل الصالح التقي " .

    حتى جاء يوم من الأيام ، وكان في القرية ثلاث إخوة ، أراد الإخوة الجهاد في سبيل الله ، وفي بعض الروايات قالوا " إن الثلاثة كان أبوهم الملك وتوفاه الله ، فأصبح عمهم الملك ، ولكنهم خافوا على أختهم ، من الذي يرعاها ، وتشاورا وقالوا " لا نستأمن أحدًا إلا برصيصا العابد ؛ لأنه أكثر الناس خلقًا وأحسنهم دينًا " ، واتفقوا على ترك أختهم عنده أمانة ، واتفقوا على بناء غرفة بجانب صومعة الرجل لأختهم ، لكي تجلس فيها ولا تخرج .

    في البداية رفض ، فقالوا له نحن نريد - عبادة الله تعالى - ، والطعام موجود كل ما عليك ، أن تأخذه لها كل يوم وتترك الباب عليها فقط ، حتى يعلم الناس فقط أن هذا الرجل يحمي هذه الفتاة ، وألحوا عليه وفي النهاية قبل ، ورضي أن يفعل هذا الأمر من باب الدين والخير ، وودعوا أختهم وخرجوا في سبيل الله .

    ومرت الأيام ، وكل يوم يذهب يترك الباب عليها ولا يتكلم بكلمة ، فيضع الطعام ثم يمشي ، وكان ذلك بداية خيط الشيطان ، أتي إليه من باب الخير والطاعة ، وبعد أيام طويلة جاءه الشيطان وقال له : " هل تعلم شيئًا عن الفتاة ؟  أهي حية أم ميتة ؟ أهي مريضة أم لا ؟  ربما تحتاج شيئًا ولا تستطيع أن تكلم أحدًا ، وقال : له ألست الأمين عليها ؟ فقال له:  نعم ، فقال : على الأقل سلم عليها ؛ لترد السلام وتتأكد أنها بصحتها وعافيتها ، من وراء حجاب" ، فلم يقبل في البداية ، ولكنه مع الأيام قبل أن يسلم على الفتاة فقط .

    فكان يضع الطعام ويترك الباب ، ويسلم على الفتاة ، وترد السلام ، ثم يرجع إلى صومعته ، وكان أولى خطوات الشيطان في إغواء الرجل العابد ، ثم جاءه الشيطان بعد زمن ، بعد أن تعود على هذا ، الخطوة الأولى كانت الطعام ، والخطوة الثانية كانت السلام .

   وفي الخطوة الثالثة ، قال له الشيطان : " ربما الفتاة تستحي ، وربما لها حاجة ، وإخوتها قد تأخروا عليها وهي حبيسة داخل البيت ، لابد أن هناك أمر تحتاجه تلك الفتاة ، فأسألها ألكي حاجة ، فإن كان لها حاجة وإلا رجعت ، وبدأ برصيصا بالخطوة الرابعة ، يضع الطعام ويترك الباب ، ويسلم عليها ويسألها ، فإن كان لها حاجة قالت وجاءها بهذه الحاجة وإن لم يكن لها حاجة قالت ليس لي حاجة .

   وبدأت الخطوات تسترسل ، فالكلام يدعو للنظر ، ونسي نفسه ، وبدأ يتحدث مع الفتاة ويسألها عن شئونها ، ويحدثها من وراء حجاب ، ثم يأتيه الشيطان ويقول له ربما استوحشت فكلمها ، فهذا الأمر لم يحدث في يوم أو يومين ، بل أيام وأيام طويلة ، ثم جاءه الشيطان بعد زمن ، يقول : " تعلم أن الناس حين يمرون عليك وأنت تكلمها من وراء حجاب ، يقولون : " أهذا هو العابد الزاهد ؟!  فبدأ يستشير الشيطان ، فقال له : ما رأيك لو دخلت عندها وكلمتها حتى لا يراك أحد سترا على نفسك " .

    فبدأ يضعف واستجاب ، فلما طرق الباب وفتحت ؛ دخل عندها وأخذ يكلمها ،ولكنه لم يفعل شيئًا ، يكلمها ثم يخرج كل يوم هكذا ، في البداية بدأ يلمس ، ثم تدرج بيه الأمر والعين تزني وزناها النظر ، واليد تزني وزناها اللمس ، ثم بدأ يقبل والفم يزني وزناه القُبلة ... ومرت الأيام حتى وقع الرجل العابد فيما كان يحظر ، بالفاحشة نفسها .

    ظل العابد يبكي ورجع إلى صومعته يستغفر ربه ، ولم يقترب منها بعد هذا ، مرت الأيام فقط يوصل الطعام ويرجع ، فقالت : " له أنا حامل " ، ومرت الأيام وإخوتها لم يرجعوا ، حتى جاء موعد ولادتها فأنجبت ولدًا ، فقالت له : " ماذا أصنع ؟ "  فخاف الرجل ، فقال له الشيطان : " خذ الطفل من أمه واقتله وادفنه وكأن الأمر لم يحدث " .

   وبالفعل أخذ الطفل منها ، وذهب في الصحراء فذبح الطفل ، فكان بعد الزنا القتل ، ثم جاءه الشيطان وقال له : " أتظن أن الفتاة سوف تسكت عنك ؟ إن رجع إخوتها سوف تفضح أمرك ، فقال له : " ماذا أصنع ؟ فقال الشيطان له : " اقتلها كما قتلت ابنها ، وقل لإخوتها مرضت فماتت " ، فدخل على المرأة فقتلها ودفنها في المكان الذي دفن الابن فيه ، وبعد فترة رجع الثلاثة وبحثوا عن أختهم فلم يجدوها ، فذهبوا إليه وقالوا ماذا حدث فقال : " عظَّم الله أجركم ، مرضت وعالجتها ولكنها ماتت " .

     فجاء الشيطان لواحد واحد من الثلاثة  وأخبرهم القصة الحقيقية ، وفي الصباح تحدثوا عما رؤوا في منامهم فلما أخبروا بعضهم ، قالوا : " رأينا مثل ما رأيت " ، فذهبوا إلى الصخرة ونبشوا الأرض ، فإذا بأختهم مقتولة والطفل بجنبها ، فأسرعوا إلى العابد وجروه من الصومعة ، وهدموا الصومعة ، فسمع الناس الخبر وافتضح أمر العابد ، فإذا به يصلب ويضرب والناس تهينه .

   ولم ينتهِ الأمر عند الشيطان ، فسوف يطبق عليه حكم الإعدام ، فجاءه الشيطان في اللحظات الأخيرة ، وقال له الشيطان : " أنا الذي فعلت معك كل هذا ، و أنا الآن أستطيع أن أنجيك مما أنت فيه ، و سوف أنجيك " ؛ فتوسل إلى الشيطان أن ينقذه مما هو فيه ، فبدلًا من أن يدعو ربه  دعا الشيطان ، فقال له : " أطلب منك طلبًا واحدًا وتنجو ، فقال : له أسجد لي ، هي سجدة وتنجو مما أنت فيه ، وبعدها يستقيم حالك " .

   عرض الصورة على التطبيق يوفر إلى 80% من استخدام الإنترنت  فقال : لا ، وبدأ الناس في تخويفه وسوف يعدم ، واشتد الخوف والهلع ، فلما أغراه سجد للشيطان ، فلما سجد قتله الناس ، وتركه الشيطان على شركه ، قال ابن جرير وابن كثير : " إن قول الله تعالى : {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} ( سورة الحشر الآية 16 ) ، نزلت تلك الآية في شأن هذا العابد على أمة محمد - صلّ الله عليه وسلم - ؛ لتحذرنا من خطوات الشيطان ، وكيف له أن يحول العابد إلى مشرك .

مصدر: opera.com
الآراء في هذا المقال هي آراء الكاتب الخاصة، ولا تعكس آراء أوبرا نيوز. اقرأ المزيد >>

بيانات أقل، المزيد من الأخبار - أقل من 1 ميجابايت